2017.09.23

الرئيسية /

أمّا الروهينغا فلا بواكي لهم


2017-09-08 15:10:49


الشيخ كمال خطيب


يبدو أنّ وجوههم البائسة والشاحبة، وملابسهم الرثة وأصواتهم المخنوقة وطوابيرهم الطويلة في طريق الهرب واللجوء، يبدو أنها لا تلفت الإنتباه ولا تشد المُشاهِد، حتى أنّ خبرًا عابرًا عنهم على شاشة إحدى الفضائيات لا يستحق سوى تحريكة اصبع للبحث عما هو ممتع أكثر للمشاهدة وأكثر تشويقًا.

هذا هو حال مسلمي الروهينغا في ولاية أراكان ضمن دولة الاحتلال البوذي بورما أو ما تسمى بالإسم الآخر ميانمار.

لم يكن أحد يعلم  أنّ تحطم سفينة تجارية انطلقت زمن الخليفة العباسي هارون الرشيد عام 788 للميلاد، هذا الأسطول التجاري قد تحطمت سفنه عند شواطئ بورما فغرق من غرق ونجا من نجا. أمّا الناجون فقد وصلوا إلى الساحل وطالت الأيام بهم بين الناس أهل تلك البلاد، فعملوا بالتجارة ودعوا الناس للإسلام، فأسلم منهم كثيرون. كانت هذه هي بداية الوجود الإسلامي في تلك البلاد من خلال الأخلاق الحميدة التي رآها الناس في سلوك أولئك التجار المسلمين.

وبين أعوام 1430 - 1784م  قامت مملكة إسلامية في أراكان ومناطق من بورما تداول على حكمها قريبًا من 45 ملكًا، وكان إلى جانبها ممالك إسلامية كثيرة في الهند وما حولها حتى كان العام 1784 م، حيث قامت مملكة بوذيّة قوية انتصرت على المسلمين، وانتزعت الملك منهم على الأراضي التي كانوا فيها.

أما المسلمون  الروهينغا، وهم غير المسلمين من أصول بورمية، فإنهم من أصول هندية. وفي العام 1826 حين حكم الإنجليز واستعمر شبه الجزيرة الهندية التي ضمّت الهند وباكستان وبنغلاديش وما حولها بورما ودولًا أخرى، فقاموا بضمّ مناطق الروهينغا إلى بورما.

 

# المسلمون ليسوا مجرد أرقام

دائما تحاول الدول والشعوب التي فيها أقليات، أن تقلل من أرقام وأعداد الأقليات لأهداف سياسية خبيثة، وهكذا حال مسلمي بورما التي يبلغ تعداد سكانها 55 مليونًا، حيث تقول السلطات الرسمية أنّ نسبة المسلمين لا تتجاوز 10 %، أي خمسة ملايين نصفهم من أصول بورمية والنصف الآخر من الروهينغا، بينما إحصائيات للمسلمين ولمنظمات دولية تتحدث عن 10 ملايين مسلم وما نسبته 20 % السكان.

تعاملت السلطات البورمية مع المسلمين بشكل عدائي، خاصة بعد الدسائس التي استخدمها الإنجليز للايقاع بين البوذيين والمسلمين وِفقَ سياستهم الشهيرة (فرّق تسُد). فلطالما نفّذت المجازر والمذابح بحقّ المسلمين كان آخرها في عامي 1991-1992، حيث تعرّض المسلمون الروهينغا لحملة إبادة واغتصاب وإعدام وحرق قرى فرّ منهم 250  ألفًا. ومنذ العام 2012  بدأت حملة تطهير ثانية أسفرت عن تهجير 140 ألفًا، وها نحن نشهد هذه الأيام حملة جديدة أسفرت حتى الآن عن تهجير قريبًا من 100  ألف مسلم من الروهينغا.

# نازية بوذا

يفرض على المسلمين الروهينغا كل أشكال الظلم زيادة على منعهم من العمل في غير الزراعة، فتتم مصادرة أراضيهم وقوارب صيد الأسماك، فرض الضرائب الباهظة على المحاصيل، إحراق المحاصيل، عدم العمل في القطاع الصناعي أبدا. ومن الناحية الدينية منع إصدار أي مطبوعات دينية، عدم السماح بإطلاق اللحى أو الملابس بالزي الإسلامي، منع استخدام مكبرات الصوت في المساجد، منع ذبح الأضاحي، منع الحج إلا لمن ترضى عنهم حكومة البوذيين، هدم المساجد وتحويلها إلى ملاهي، طمس الآثار الإسلامية وغير ذلك.

إنّ ما يقع على مسلمي بورما هذه الأيام هو في زمن رئاسة داعية السلام الحاصلة على جائزة نوبل "أون سان سو تشي"، فكيف سيكون الحال لو أنّ داعية السلام هذه قد أعلنت الحرب رسميًا على المسلمين.

وإلّا فما معنى أنّ الجيش وقوى الأمن تقوم بحماية الميليشيات التي يقودها الرهبان البوذيون، وفي حالات كثيرة فإنّ قوى الأمن والجيش تقوم هي بتنفيذ حملات الإبادة والتهجير ضد المسلمين مستخدمة أساليب يشيب لها الولدان، مثل جمع الفتيات دون سن السادسة عشرة في القرية التي يهاجمونها في الساحة العامة حيث يقومون باغتصاب الفتيات القاصرات أمام وبحضور آبائهم وأهاليهم ثم يقومون بإشعال النار في بيوت القرية.

وكيف يمكن وصف أو التعبير عن مشهد وضع طفلة صغيرة اسمها " وايو عبد الحكيم" أمام كلب جائع ومصاب بداء الكلب، حيث انقضّ عليها ينهش لحمها ثم خلّصوها منه ليس رحمة بها أو لأنّ ضمائر بعضهم قد تألمت لصراخها، ولكن ذلك من أجل أن تعيش تلك الطفلة  حاملة بداء الكلب وقد انتقل إليها من الكلب المريض الذي نهش جسدها الطري بأنيابه وقد مُنِع أهلها من نقلها إلى أي طبيب.

وكيف يمكن وصف جرائم هؤلاء البوذيين وهم يجمعون في إحدى المرات ستة عشر إمام مسجد، ثم وضعوا أمامهم مائدة طعام عليها لحم خنزير يجبرونهم على الأكل منه، ولأنّ هؤلاء الأئمة قد رفضوا العرض فكان مصيرهم الذبح مثل الخراف.

ها نحن وخلال أيام العيد التي نحر فيها المسلمون أضاحي العيد، فقد كان البوذيون في بورما ينحرون ويذبحون اخواننا المسلمين هناك. وفي الوقت الذي كان فيه المسلمون يتمتعون بشواء لحوم الضأن والبقر في أيام العيد، ففي نفس الأيام كان البوذيون يشوون لحوم اخواننا وبناتنا من مسلمي الروهينغا وهم يحرقونهم داخل منازلهم. كم كان مؤلمًا وصادمًا أن نرى جثث المسلمين الهاربين إلى الغابات والأدغال وفي الحقول، وقد ماتوا جوعًا وعطشًا ومرضًا وإذا بجثثهم تصبح طعامًا للنسور والطيور الجارحة قد تجمّعت تنهش لحومهم.

إنها المفارقة العجيبة أن يصبح لحم المسلم الجائع في هذه الزمان طعامًا للنسور الجائعة، بينما نحن المسلمين وكما تذكر كتب التاريخ كنا إذا مرّت طيور اللقلق من بلادنا مهاجرة من الشمال إلى الجنوب أو العكس في مواسم الهجرة، كان المسلمون ينشرون الحبوب في أماكن نزول الطيور لتستريح من أجل أن تأكل ولا تجوع، فيقال أنّ الطيور جاعت في بلاد المسلمين، بل إنّ البعض كان يوقف أرضًا تزرع بالحبوب وعند الحصاد كانت تخزّن لتُنثر في طريق أسراب اللقلق المهاجر حتى لا يهلك جوعًا. هكذا نحن لا نريد وأن نشعر بالذنب من أن تجوع الطيور في بلادنا، بينما نحن نموت جوعًا ونصبح طعامًا للطيور الجائعة كما هو حالنا اليوم في ميانمار.

# أين نخوة المعتصم؟

كم كان صادمًا أنه وفي مأساة المسلمين الروهينغا وتشريدهم وحرق وتدمير بيوتهم وغرقهم في الأنهار وهم يهربون من الحرائق والنيران يراد لها أن تلتهمهم أحياء. ففي غمرة حال المسلمين هذه لم نسمع إلا عن حكومة بنغلاديش العلمانية المعادية للإسلام رغم أنهم مسلمون، وقد رفضوا فتح بلادهم لهؤلاء المسلمين الجيران المستجيرين بهم. ولم نسمع إلا عن الملك سلمان ملك السعودية، ليس أنه يقدم لهم المساعدات أو يهدد حكومة بورما بقطع العلاقات أو يرسل لهم الأطباء، إنه لم يفعل من هذا شيئا، لكن الصادم أنه اتصل على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يعرض عليه مساعدات لإغاثة الأمريكيين الذين تضررت بيوتهم وتشردوا في تكساس بسبب إعصار هارفي.

يا سبحان الله، فللأمريكيين الأغنياء والأقوياء والذين لهم حكومة ترعاهم فإنّ الملك سلمان يبادر للنجدة والغوث، أمّا للمسلمين الفقراء والجوعى من الروهينغا فلم يسمع بهم على ما يبدو جلالة الملك، ولم يرَ مشاهد إحراقهم أحياء ولا غرقهم في المستنقعات والأنهار، إنهم مسلمو الروهينغا لا بواكي لهم.

يبدو أن سكان تكساس لهم معزّة خاصة عند الملك سلمان وبطانته، حيث في تكساس تقع مدينة القمار الأمريكية الأشهر في العالم " لاس فيغاس" ولذلك فقد بادر للمساعدة والغوث. ويبدو أنّ الملك سلمان لم يسمع بمقولة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ( والله لو أنّ بغلةً في العراق تعثّرت لخفت أن يسألني الله عنها يوم القيامة، لمَ لَمْ تُصلح لها الطريق يا عمر). ويبدو أنّ الملك سلمان لم يسمع بقصة تلك المرأة المسلمة التي سباها الروم فنادت واستغاثت وامعتصماه واإسلاماه، فكان جواب المعتصم لها لبيك لبيك يا أخت الإسلام، و سيّر لأجلها الجيوش، نعم إنه لم يسمع بنداءات واستغاثات الفتيات الصغيرات يُغتصبن أمام أعين آبائهم، وإنه لم يسمع عن الطفل ابن الأسابيع يطعنه الجندي البورمي بِحَربةٍ في صدره وهو في حضن أمه ثم يغتصبها :

 

رُبّ وامعتصماه انطلقت        ملء أفواه الصبايا اليُتّم

لامست أسماعهم لكنها           لم تلامس نخوة المعتصم

 

إنّ الذين صمّوا آذانهم على تجويع غزة وحصارها، وقد وصل الأمر بوزير خارجيتهم عادل الجبير أن يتهم غزة بالإرهاب، فليس غريبًا عليهم أن يصمتوا على مأساة وجرح المسلمين الروهينغا، بل أن يطلق الإعلام السعودي عليهم لفظ المتمردين وأن يصدّق رواية البوذيين من أنّ ما حصل كان ردة فعل على قيام بعض شباب الروهينغا بحمل السلاح ضد قوى الأمن البورمية، كما قالت وكتبت صحيفة الشرق الأوسط السعودية الصادرة في لندن.

وإذا كان جرح الشعب الفلسطيني ينزف منذ مئة عام 1917 -2017  أي منذ صدور وعد بلفور على يد الإنجليز وحتى يومنا هذا، فإنّ جرح الشعب الروهينجي ينزف منذ 191  سنة، أي منذ العام 1826  العام الذي فيه ضمّت سلطة الاستعمار الانجليزي بلاد أراكان إلى سلطة ونفوذ مملكة بورما وحتى يومنا هذا.

هكذا يصبح حال الأمة لما تتفرق وتصبح شيعًا، حيث النزعات القومية تطغى على أخوّة الدين. وهكذا يصبح حال الأمة لمّا تفتقد لوجود الحاكم الصالح والشجاع الذي يعتز بدينه والذي يستشعر المسؤولية كاملة بين يدي رب العالمين عن كل مسلم ومسلمة أينما كانوا.

نعم هكذا وفي غياب دولة الإسلام الواحدة صاحبة الإمكانات، تتحول شعوب الأمة إلى قطعان ليس لها راعٍ يرعاها فيتجرأ عليها الذئاب والكلاب، الأمر الذي يجعل قيام دولة الإسلام ودولة الخلافة الإسلامية واجب شرعيّ على كل مسلم حتى لا نظل هكذا كالأيتام على موائد اللئام.

اللهم قد أصبحت أهواؤنا شيعًا      فامنن علينا براعٍ أنت ترضاه

راعٍ يعيد إلى الإسلام سيرته       يرعى بنيهِ وعين الله ترعاه

 

رحم الله قارئا دعا لنفسه ولي ولوالدي بالمغفرة

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون

 


للمزيد من مقالات

تعليقات الزوار
التعليقات المنشورة لا تعبر عن موقع الجليل وإنما تعبر عن رأي أصحابها

تعليقك على الموضوع