2017.09.23

الرئيسية /

بورما - استراتيجيّة المكان وسياسة الأديان


2017-09-13 14:28:55


بقلم: طارق بصول


بسم الله نحمده ونستعين به ونصلّي ونسلّم ونبارك على المبعوث رحمة للعالمين سيّدنا محمّد بن عبد الله.

 

شهدت وسائل الإعلام خلال الأسبوعيْن الفائتيْن تغطية واسعة النّطاق حول أحداث بورما من تعذيب وقتل للمسلمين على يد الحكومة البوذيّة هناك. نسأل الله العزيز الكريم أن يخفّف عن أهلنا المسلمين ويخرجهم من هذه الضّائقة.

هذا الخبر تطرّق له خبراء من مجالات شتّى وأدلى كلّ واحد بدلوه حول هذا الموضوع  بمجال تخصّصه، فقد عرض الصّحفيّون الأحداث وحلّل السّياسيّون الأسباب ووصف علماء الاجتماع كارثة بحقّ البشرية، وعُرضت الكثير من المقالات الّتي لا تُعدّ ولا تُحصى ولكنّها لا تسمن ولا تغني من جوع، وما زالت الأقلّيّة الإسلاميّة تعاني الأمرّيْن من التّعذيب والحصار.

بهذه المقالة سوف نتناول الموقع الجغرافيّ من حيث مكان الأحداث وربطه مع الحدود الّتي تحيطه بمفهوم استراتيجيّ ومن ثمّ التّطرّق إلى الأسباب التّاريخيّة لهذه الأحداث.

تقع بورما في القارّة الآسيويّة، وبالتّحديد في شرق جنوب آسيا، وتُعدّ إحدى دول خليج البنغال، يحيطها من الجنوب المحيط الهنديّ وبالتّحديد خليجيِّ البنغال ومرتابان، ومن الشّرق جنوب دولة تهاي، ومن الشّمال الشّرقيّ الصّين ومن الشّمال الأقدام الجنوبيّة الشّرقيّة لجبال الهمالايا ومن الغرب شمال  بنغلادش والهند. تتميّز تضاريسها بامتداد جبالها من الشّمال إلى الجنوب وتسلسلها من الشّرق نحو الغرب وصولًا إلى جبال أراكان، كما ونرى وحدة منظر طبيعيّة أخرى في الدّولة وهي: نهر أروادي الّذي يشقّ البلاد من الشّمال إلى الجنوب، حيثُ ينبع هذا النّهر من الأطراف الجنوبيّة الشّرقيّة لجبال الهملايا ويصبّ في خليج مرتابان. أمّا بالنّسبة للتّوزيع السّكّانيّ نجد أنّ معظم السّكّان يعيشون على ضفاف نهر أروادي وعلى السّهول الجنوبيّة بالقرب من مدينة رانغون كونها تقع على سواحل المحيط الهنديّ ويربط الدّولة مع المحيط الخارجيّ سياسيًّا واقتصاديًّا.

وبعد الوقوف على الموقع من حيثُ استراتيجيّة المكان وعرض بعض المعلومات الجغرافيّة الطّبيعيّة والبشريّة منها، سوف نخوض بالأحداث السّياسيّة / الدّينيّة الّتي تشهدها المنطقة.

الأحداث الدّامية تقع في منطقة أراكان غربيّ بورما، على الحدود المشتركة مع بنغلادش. اشتعلت هذه الأحداث نتيجة لبعض القرارات السّياسيّة الدّوليّة، خاصّة في أواخر القرن الثّامن عشر وبالتّحديد عام 1784م، حيثُ شَهِدَ العالم بعض التّغيّرات السّياسيّة وحاولت كل دولة أن تضم إليها قدر كبير من الأقاليم من أجل برهنة قوّتها في العالم. فبورما كسائر الدّول الأخرى، قامت بالسّيطرة على إقليم أراكان المستقلّ والّذي يعيش فيه سكان مسلمون وضمّه إليها، هذه الخطوة السّياسيّة كانت نتيجة عامل دينيّ من الدّرجة الأولى، حيثُ تخوّف الملك البوذيّ (ملك بورما) من انتشار الإسلام في المنطقة في ظلّ تقهقر الامبراطوريّة العثمانيّة آنذاك كدولة إسلاميّة، بعد أن توغّلت بأراضيها الدّول الأوروبيّة لكي تطبّق سياسية "المسألة الشّرقيّة" وتقسيم أملاكها. أكبر مثال على ذلك حملة نابليون عام (1798 – 1801)، الأمر الّذي أشغل الدّولة العثمانيّة عن قضيّة مسلمي بورما آنذاك.

مع مرور الوقت ازداد النّفوذ البريطانيّ واستطاعت بريطانيا السّيطرة على مساحات كبيرة في شتّى أنحاء العالم واكتسبت وصف "الامبراطوريّة الّتي لا تغيب عنها الشّمس"، ومن ضمن المناطق الّتي استطاعت السّيطرة عليها كانت بورما في عام 1824م ووضعها تحت سيطرة حكومة الهند البريطانيّة الاستعماريّة.

نتيجة التّوعية القوميّة الّتي شهدها العالم في النّصف الأوّل من القرن العشرين وسنّ العديد من القرارات الّتي تحثّ على تقرير المصير واستقلال الدّول وانهاء الاستعمار، حصلت دول عديدة على استقلال ذاتيّ، نذكر منها: اليمن عام 1918، مصر عام 1922، العراق والسّعوديّة عام  1932، لبنان عام 1943، سوريا والأردن عام 1946.

بورما كغيرها من الدّول استفادت من هذه التّغيّرات السّياسيّة وحازت على استقلال جزئيّ من بريطانيا عام 1937 وعُرفت بحكومة ميانمار البريطانيّة. إحدى نتائج هذا الاستقلال هو نزع الاستقلاليّة من مسلمي أراكان وجعلهم أقلّيّة في بورما، ممّا أدّى إلى غضب عارم بصفوف هذه الأقلّيّة الّتي قاومت الاستعمار البريطانيّ. ولكن بريطانيا لم يطب لها هذه المقاومة وأشعلت نار الفتنة من خلال حثّ الحكومة البوذيّة بالتّنكيل من هذه الأقلّيّة، حيثُ أوقعت بالمسلمين مذبحة عام 1942م وفتكت خلالها حوالي مائة ألف مسلم في أراكان.

أنهت بريطانيا استعمارها في بورما عام  1948م  ومنحتها الاستقلال شريطة أن تمنح بورما كل العرقيّات الاستقلال عنها بعد عشر سنوات إذا رغبت في ذلك. ولكن ما أن حصلوا على الاستقلال حتّى نقضوا عهودهم، واستمرّوا في احتلال أراكان بدون رغبة سكّانها المسلمين، وقاموا بأبشع الممارسات ضدّ المسلمين والّتي ما زالت حتّى يومنا هذا.

وأخيرًا، من الممكن القول أنّ أحداث بورما هي أحداث سياسيّة - دينيّة من الدّرجة الأولى؛ فمن النّاحية السّياسيّة فقد  تدخّل فيها الاستعمار البريطانيّ من خلال ضم إقليم أراكان تحت نفوذ بورما ونزع منهم الحق من نيل استقلال ذاتيّ،  وأمّا من النّاحية الدّينيّة فقد رفضت حكومة بورما الطّاغية منح حقّ الدّيانة للأقلّيّة الإسلاميّة هناك خوفًا من اتّساع مكانتهم الجغرافيّة والدّينيّة. 

الحمد لله الّذي بحمده تتمّ الصّالحات



 


للمزيد من مقالات

تعليقات الزوار
التعليقات المنشورة لا تعبر عن موقع الجليل وإنما تعبر عن رأي أصحابها

تعليقك على الموضوع